فتاة سوريّة تدفع ربع مليون ليرة ثمنا لرؤية أخيها المعتقل

“لا بقى تجو مرة تانية لهون”، إحدى العبارات التي وجهها “أبو محمد” لشقيقته، عندما رأته في المعتقل ومعها أولاده، بعد انتظار دام أشهراً وتكبّدها دفع رشوة كبيرة لعنصر مخابراتي في النظام السوري، حتى يسمح لها بلقاء أخيها المعتقل منذ سنتين.

توسلت السيدة السورية هدى، لعنصر في جهاز الأمن المخابراتي، كي يمنحها فرصة لقاء أخيها المعتقل في سجون النظام منذ عامين، لكنّ “المساعد أول” لم يكفه  التوسل، بل طلب منها مبلغاً يزيد على ربع مليون ليرة سورية ثمن الزيارة لمدة ساعة، مع السماح لها بإدخال بعض الطعام والدواء بشرط حضور عناصر من الأمن لمراقبة الزيارة، ومنع المعتقل من الحديث عن أمور خارج المواضيع الأسرية.

تقول هدى في حديث لوسائل الإعلام: “انتظرت مع أولاد أخي المعتقل في غرفة مساعد أول في مخابرات النظام السوري. وما هي إلا دقائق حتى دخل علينا رجل يكاد يشبه تخيلاتنا حول رجال الكهف، عيونه ضمرت من شدة الظلام، وذقنه طويلة بلغت صدره، و أظافره مقلوعة بسبب التعذيب، وثيابه مهترئة، وقسمات وجهه تحكي بصمت عن ذل وهوان، ومئات التفاصيل القاسية والمؤلمة”.

وتضيف: “عانقني أخي المعتقل، فهو لم يرني منذ عامين، وحين اقترب من أولاده ابتعدوا عنه خائفين. طفله الصغير بدأ بالبكاء. لم يتمكنوا من التعرف على والدهم، كما أنهم لم يتعرفوا حتى على نبرة صوته التي تغيرت موسيقاها من شدة الصراخ و الألم. لم تكن صورته الآن هي ذاتها التي زرعت في مخيلتهم قبل سنتين”.

وتروي هدى أنه “بعد مرور دقائق من تشابك النظرات والشدهات لم تنطق، وعيونه بالكاد تخفي الدموع من هول لحظة اللقاء، سأل الطفل الصغير عمته: عمتي ليش هيك هاد الرجال عم يحك حالو كتير؟”،  قاطعته هدى، علها تخفي عن أخيها رهبة الأطفال من منظر أبيهم بسؤالها إياه عن الطعام وعن آخر أخباره، لكنه لم يرد إلا ببضع كلمات نطقها، وبالكاد كان يستطيع التحدث أو النطق حتى”.

كان يعاني من ألم في الفكين، جوع متراكم منذ سنتين، يحاول أبو محمد أن يسده من خلال بضع سندويتشات، ووجبات جلبتها له شقيقته هدى.

مرت الساعة بسرعة كبيرة، تخللها دقائق كثيرة من الصمت لا يسمع فيها إلا صوت المعدة الفارغة وأصوات مضغ الطعام، والسعال الكثير بسبب سوء التهوية في المهاجع.

قبل عودته إلى زنزانته بثوانٍ همس في أذن أخته بصوت خشن: “لا بقى تجي مرة تانية لهون، اتركوني لحالي، مرتي ماتت، وأمي وأبي ماتوا، وولادي ما عرفوني مين بكون، ديري بالك عليهن منيح وربيهن منيح، الله ما بعتلك ولاد، بس هدول هلأ ولادك”.