العراق الآن: وحشية طائفية وهيمنة إيرانية

1574516_CCBS3tbWIAAnrey
ريل كلير وورلد – التقرير
مرة أخرى في الشرق الأوسط، تغطي المكاسب قصيرة الأمد على المصالح طويلة الأمد. في ظل الاتفاق النووي الإيراني، تتراكم الجثث في العراق؛ كثير منها من جثث المدنيين السُنة، الذين قُتلوا على يد الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والمتحالفة مع الحكومة العراقية في معركتها ضد داعش.
تشير تقارير إلى تصاعد الهجمات الانتقامية ضد السُنة من قِبل الميليشيات الشيعية. ونشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا في فبراير، تقول إنّ: “السكان أُجبروا على الخروج من منازلهم، واُختطفوا، وفي بعض الحالات أُعدموا دون محاكمة“. وتحقق المنظمة في مزاعم بحدوث مجزرة، قُتل فيها 72 مدنيًا في بلدة باروانا من قِبل الميليشيات وقوات التدخل السريع. كما نُشرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لأعضاء ميليشيا شيعية تعذب المعارضين السُنة بوحشية ردًا على هجمات داعش.
في المعركة ضد داعش، تقدم القوات العراقية والكردية البيشمركة، والميليشيات الشيعية بما فيها منظمة بدر وعصائب أهل الحق، غطاءً جويًا للولايات المتحدة ومليارات الدولارات من المعدات العسكرية عبر الحكومة العراقية. وهذا يضع الولايات المتحدة في تحالف حقيقي مع إيران ووكلائها، الذين اتُهموا بارتكاب جرائم حرب تنافس الجرائم التي ارتكبتها داعش.
في مدينة تكريت ذات الأغلبية السُنية، قادت الميليشيات الشيعية، إلى جانب المستشارين الإيرانيين وحتى الأئمة الدينيين، المعركة لاستعادة المدينة في وقت سابق من هذا الشهر. ولم تشارك الولايات المتحدة بشكل كبير في هذه العملية، لكنّها وفرت الغطاء الجوي للميليشيات في نهاية المعركة. كانت تكريت مسرحًا لأبشع مجزرة في الحرب الحالية في العراق، عندما أعدمت داعش حوالي 1000 من الشيعة في العام الماضي. تقع تكريت الآن في أيدي القوات الحكومية، وأصبحت مسرحًا لاتهامات متجددة بجرائم الحرب وعمليات الإعدام من قِبل أعضاء قوات الحشد الشعبي من الشيعة ضد الذين يؤيدون داعش.
وفي ظل اتجاه المعركة نحو معقل السُنة في محافظة الأنبار، وهي معقل داعش على الحدود مع سوريا، وكانت موقع التمرد القوي ضد الأمريكان في الفترة 2004-2006، فإن الاعتماد على الميليشيات الشيعية أصبح أكثر تعقيدًا.
وعلى الرغم من استمتاع القوات المسلحة التي تقودها الشيعة بانتصارهم في المدن المختلطة مثل ديالى وكركوك، إلا أنّ انتصار الشيعة في محافظة الأنبار من شأنه أن يثير تصعيد كارثي للطائفية، وربما تطهير عرقي، وإثارة التعاطف مع داعش وتشجيع العناصر الأكثر تطرفًا في طرفي الصراع.
الحكومة العراقية طائفية وفاسدة. في الواقع، كانت السياسات الطائفية الواضحة لرئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، وعلاقته مع إيران، هي التي أدت إلى صعود تنظيم داعش. يبدو أنّ خليفته، حيدر العبادي، شخصية معتدلة وواضحة؛ ولكن لا يزال المالكي يقود حزب الدعوة الإسلامي والحكومة عاجزة بسبب الخلافات الطائفية.
ومن أجل أن يقود العبادي عراقًا مسالمًا وموحدًا، يجب أن يحتوي السكان السُنة (وخاصة القبائل) ويتجنب احتدامًا طائفيًا آخر خلال مقاومة داعش. ويعمل البرلمان العراقي على مسودة مشروع قانون الحرس الوطني المثير للجدل، والذي من شأنه أن يشكّل مظلة عسكرية موحدة تشارك فيها الكيانات السُنية والقوى القبلية، وربما تشمل البيشمركة الكردية والجماعات الشيعية غير النظامية.
ولكن في ظل أنّ المعركة ضد داعش في منعطف استراتيجي مهم، يبدو أنّ مشروع القانون محكوم عليه بالفشل. لماذا؟
أحد الأسباب هو أن القبائل ليست متحدة؛ فالعديد من القبائل السُنية التي شكلت حصنًا منيعًا ضد مجالس الصحوة المدعومة من الولايات المتحدة والتي هزمت تنظيم القاعدة في عام 2008، إما مؤيدة لتنظيم داعش أو تقف على الحياد. كانت هذه القبائل معارضة لحكومة المالكي، ومن غير المحتمل أن تنضم إلى تحالف ضد عشيرتهم. وقد حاول بعض زعماء القبائل السُنية التخطيط لمقاومة داعش، ولكن دون جدوى، وطالبوا بمزيد من الأسلحة والدعم. ولكن القمع القوي من تنظيم داعش لهذه المقاومة كان له أثر رادع وناجح في الوقت نفسه.
وبالإضافة إلى ذلك، في حين يشكو العديد من المدنيين السُنة من الحكم القاسي لداعش، إلا أن العديد منهم يصف أعضاء التنظيم بأنهم منقذون، بل ويساعدونه في الحُكم. وعلى الرغم من أنّ هذا الدعم قد تضاءل في ظل تصاعد الحُكم العقابي والوحشي من داعش، والاختيار بين داعش والعنف الطائفي على يد الجماعات المدعومة من إيران في بلاد غارقة بالفعل في الكراهية الطائفية، إلا أن المدنيين السُنة قد يختارون داعش. وبالتالي سيصبح من الصعب تجنيد أعضاء في الحرس الوطني من هذه الجماعات.
كما واجهت هذه المبادرة معارضة قوية داخل الفصائل المنحازة لإيران التي تخشى من ضعف سيطرتهم على القوات العراقية، وأنّ هذا قد يمهّد الطريق للقوات السُنية التي ستشكّل تحديًا للحكومة المركزية في نهاية المطاف. لذلك يحاول المالكي وقوات البيشمركة إفشال هذه العملية.
ويشير النقّاد أيضًا إلى الاتفاق النووي الأخير، الذي يدل على أنّ إيران أصبح لها مطلق الحرية في العراق حتى لا تعيق المفاوضات. وفي ظل اقتراب إتمام الصفقة (بشكل أو بآخر)، فإنّ إيران أصبحت مهيمنة على العراق، وتوسّع نطاق عملها إلى سوريا، حيث تتمحور الولايات المتحدة تجاه حليفها بشار الأسد، ولبنان، حيث حزب الله، وكيل إيران القوي. وبما أنّ أسطورة ‘الهلال الشيعي’ أصبحت حقيقة الآن، فمن غير المحتمل أن عودة أعضاء الميليشيا الإيرانية إلى ديارهم ببساطة بمجرد القضاء على داعش. أشاد حسن نصر الله بالاتفاق النووي ووصفه بأنّه انتصار لإيران، في حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إنّ “التنازلات التي قُدمت لإيران في لوزان ستؤدي إلى صفقة فاشلة من شأنها أن تهدد إسرائيل والشرق الأوسط والسلام في العالم“.
إذا كان القصد من ذلك هو وقف الانتشار النووي بأي ثمن، يجب إذن الإشارة إلى التكاليف: تقسيم العراق، وهيمنة إيرانية في منطقة ممزقة، واضطهاد السُنة، وداعش أكثر جرأة من الناحية الأيديولوجية.